أبي حيان الأندلسي

12

تفسير البحر المحيط

يقرأ ، وعبر به هنا عن معنى الإلزام والإثبات ، أي : فرض وأثبت ، لأن ما كتب جدير بثبوته وبقائه . وقيل : هو على حقيقته ، وهو إخبار عن ما كتب في اللوح المحفوظ ، وسبق به القضاء . وقيل : معنى كتب : أمر ، كقوله : * ( ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) * أي : التي أمرتم بدخولها . وقيل : يأتي كتب بمعنى جعل ، ومنه * ( أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ ) * * ( فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) * وتعدي كتب هنا بعلى يشعر بالفرض والوجوب ، * ( وَفِى * الْقَتْلَى ) * في هنا للسببية ، أي : بسبب القتلى ، مثل : ( دخلت امرأة النار في هرة ) . والمعنى : أنكم أيها المؤمنون وجب عليكم استيفاء القصاص من القاتل بسبب قتل القتلى بغير موجب ، ويكون الوجوب متعلق الإمام أو من يجري مجراه في استيفاء الحقوق إذا أراد ولي الدم استيفاءه ، أو يكون ذلك خطاباً مع القاتل ، والتقدير ، يا أيها القاتلون ، كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص ، وذلك أنه يجب على القاتل ، إذا أراد الولي قتله ، أن يستسلم لأمر الله وينقاد لقصاصه المشروع ، وليس له أن يمتنع بخلاف الزاني والسارق ، فإن لهما الهرب من الحدّ ، ولهما أن يستترا بستر الله ، ولهما أن لا يعترفا ويجب على الولي الوقوف عند قاتل وليه ، وأن لا يتعدى على غيره ، كما كانت العرب تفعل بأن تقتل غير قاتل قتيلها من قومه ، وهذا الكتب في القصاص مخصوص بأن لا يرضي الولي بدية أو عفو ، وإنما القصاص هو الغاية عند التشاحن ، وأمّا إذا رضي بدون القصاص من دية أو عفو فلا قصاص . قال الراغب : فان قيل : على من يتوجه هذا الوجوب ؟ قيل على الناس كافة ، فمنهم من يلزمه تسليم النفس ، وهو القاتل ، ومنهم من يلزمه استيفاؤه ، وهو الإمام إذا طلبه الولي ، ومنهم من يلزمه المعاونة والرضى ، ومنهم من يلزمه أن لا يتعدّى ، بل يقتص أو يأخذ الدية ، والقصد بالآية منع التعدّي ، فإن أهل الجاهلية كانوا يتعدّون في القتل ، وربما لا يرضى أحدهم إذا قتل عبدهم إلاَّ بقتل حر . اه كلامه . وتلخص في قوله : * ( الْمُتَّقُونَ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ) * ثلاثة أقوال . أحدها : أنهم الأئمة ومن يقوم مقامهم . الثاني : أنهم القاتلون . الثالث : أنهم جميع المؤمنين على ما أوضحناه . وقد اختلف في هذه الآية ، أهي ناسخة أو منسوخة ؟ فقال الحسن : نزلت في نسخ التراجع الذي كانوا يفعلونه ، إذا قتل الرجل امرأة كان وليها بالخيار بين قتله مع تأدية نصف الدية ، وبين أخذ نصف دية الرجل وتركه ، . وإن كان قاتل الرجل امرأة ، كان أولياء المقتول بالخيار بين قتل المرأة وأخذ نصف دية الرجل ، وإن شاؤوا أخذوا الدية كاملة ولم يقتلوها . قال : فنسخت هذه الآية ما كانوا يفعلونه . اه . ولا يكون هذا نسخاً ، لأن فعلهم ذلك ليس حكماً من أحكام الله فينسخ بهذه الآية . وقال ابن عباس : هي منسوخة بآية المائدة ، وسيأتي الكلام في هذا . ولما ذكر تعالى كتابة القصاص في القتل بين من يقع بينهم القصاص فقال : * ( الْحُرُّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاْنثَى بِالاْنْثَى ) * ، واختلفوا في دلالة هذه الجمل ، فقيل : يدل على مراعاة المماثلة في الحرية والعبودية والأنوثة ، فلا يكون مشروعاً إلاَّ بين الحرين ، وبين العبدين ، وبين الأنثيين ، فالألف واللام تدل على الحصر ، كأنه